أحمد بن محمد المقري التلمساني

46

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

فما أقبح ما وقع « ثعبان » وما أضعف ما جاء « دائم الدهر » ولقد أنشدت أحد ظرفاء الأندلس هذا البيت ، فقال : لا ينكر هذا على مثل الجراوي ، فسبحان من جعل روحه ونسبه وشعره « 1 » تتناسب في الثقالة . وإن أردت الافتخار بالفرسان ، والتفاضل بالشجعان ، فمن كان قبلنا منهم في مدة المنصور بن أبي عامر ومدة ملوك الطوائف أخبارهم مشهورة ، وآثارهم مذكورة ، وكفاك من أبطال عصرنا ما سمعت عن الأمير أبي عبد اللّه بن مردنيش وأنه كان يدفع في مواكب النصارى ويشقّها يمينا ويسارا منشدا « 2 » : [ الوافر ] أكرّ على الكتيبة لا أبالي * أحتفي كان فيها أم سواها حتى أنه دفع يوما في موكب من النصارى فصرع وقتل ، وظهر منه ما أعجبت به نفسه ، فقال لشيخ من خواصّه ، عالم بأمور الحرب مشهور بها : كيف رأيت ؟ فقال له : لو رآك السلطان زاد فيما لك في بيت المال ، وأعلى مرتبتك ، أمن يكون رأس جيش يقدم هذا الإقدام ، ويتعرّض بهلاك نفسه إلى هلاكهم « 3 » ، فقال له : دعني فإني لا أموت مرتين ، وإذا متّ أنا فلا عاش من بعدي . والقائد أبو عبد اللّه بن قادوس « 4 » الذي اشتهر من شجاعته ومواقعه في النصارى وحسن بلائه ما صيّر النصارى من رعبه والإقرار بفضله في هذا الشأن أن يقول أحدهم لفرسه إذا سقاه فلم يقبل على الماء : مالك ؟ أرأيت ابن قادوس في الماء ، وهذه مرتبة عظيمة : [ الكامل ] والفضل ما شهدت به الأعداء ولقد أخبرني من أثق به أنه خرج من عسكر في كتيبة مجرّدة برسم الغارة على بلاد النصارى ، فوقع في جمع كبير منهم ، فجهد جهده في الخلاص منهم والرجوع إلى العسكر ، فجعل يقاتل مع أصحابه في حالة الفرار إلى أن كبا بأحد جنده فرسه ، وفرّ عنه ، فناداه مستغيثا ، فقال : اصبر ، ثم نظر إلى فارس من النصارى قد طرق « 5 » فقال : اجر إلى هذا النصراني ، فخذ فرسه ، وركض نحوه ، فأسقطه ، وقال لصاحبه : اركب ، فركب ونجا معه سالما .

--> ( 1 ) في ب « نسبه وروحه وشعره » . ( 2 ) في ب ، ه : « وأنه كان يدفع في المواكب ويشقها » . ( 3 ) في ب : « هلاك جيشه » . ( 4 ) في ب ، ه : « بن قادس » في كل المواضع . ( 5 ) في ج : « قد طرف » .